مختار الحسانين
13-08-2006, 07:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
أول مشاركة لى بموضوع فى المنتدى الرائع ، ستكون مشاركة بعنوان شخصية مصر الاستراتيجية ، وأنا أقتبس الموضوع من مرجع هام جدا وهو للفيلسوف المصرى الدكتور جمال حمدان رحمه الله
علما بأننى قمت ببعض التعديلات البسيطة
مختار الحسانين
أولا : مقدمة
عندما ندرس مصر فنحن إزاء حالة نادة من الأقاليم والبلاد من حيث السمات والقسمات التى تجتمع فيها ، والتى تجعل منها مخلوقا فريدا فذا ؛ فهى بالجغرافيا تقع فى افريقيا ولكنها تمت أيضا الى آسيا بالتاريخ ، وهى متوسطية دون مدارية بعروضها ، ولكنها موسمسة بمياهها وأصولها ، هى فى الصحراء وليست منها ، إنها واحة ضد صحراوية .
فرعونية هى بالجد ، ولكنها عربية بالأب . ثم أنها بجسمها النهرى قوة بر ، ولكنها بسواحلها قوة بحر ، وتضع بذلك قدما فى الأرض وقدما فى الماء .
وهى بجسمها النحيل تبدو مخلوقا أقل من قوى ، ولكنها برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأسا أكثر من ضخم .
أننا كلما أمعنا تحليل شخصية مصر وتعمقناها يتضح لنا أنها " فلتة جغرافية " لا تتكرر فى أى ركن من أركان العالم
وتتألف مصر من بيئتين أساسيتين هما الصحراء ووادى النيل ، ويتوزع أكثر من 98 % من سكان مصر على مساحة وادى النيل ودلتاه التى تبلغ 35 ألف كيلو متر مربع ، ويعتبر هذا الشريط الأخضر كما يتضح فى الصورة الفضائية هو القلب العمرانى والاقتصادى لمصر .
http://www.7mml.com/uploads/11488353eb.jpg (http://www.7mml.com/uploads/11488353eb.jpg)
استراتيجية مصر الخارجية
1- التناسق بين الموقع والموضع
الحقيقة العظمى فى كيان مصر ونقطة البدء لأى فهم لشخصيتنا الاستراتيجية ، هى اجتماع موقع جغرافى أمثل مع موضع طبيعى مثالى وذلك فى تناسب أو توازن نادر المثال . فالموقع والموضع هنا متكاملان جدا فى الدور ، ومتناسبان إلى حد بعيد فى المقياس فكل منهما ضخم الحجم أو الخطر ، ولكن فى تناسق دقيق وشبه محسوب . فمصر ليست مجرد موقع أو موضع هام ، بل الاثنان معا ؛ ليست مجرد ممر أو مقر خطير ، بل كلاهما ؛ ليست مجرد محطة طريق حاسمة أو صومعة غلال ضخمة بل هى هما على السواء .
فعلى طول الساحل الجنوبى للبحر المتوسط ، ولمسافة 1000 ميل من الصحراء ، لا نجد معمورا سوى وادى النيل . ويعد هذا المعمور أكبر وأضخم رقعة معمورة فى شمال إفريقيا وغرب أسيا ابتداء من المحيط الأطلسى حتى تخوم الهند .
أما عن الموقع فإذا كانت منطقة الشرق العربى ، حول الجزيرة العربية بعامة ، هى خاصرة العالم القديم ؛ حيث يضيق اليابس أكثر ما يضيق وحيث يتداخل اليابس والماء أكثر ما يتداخلان ، فإن مصر بدورها هى " خاصرة الخاصرة " أو فلنقل " عين القلب " حيث تجتمع فيها القارات الثلاث وتفترق البحار الداخلية الهامة . وهى من ثم خاصرة العالم القديم برمته وأرض الزاوية منه وقطب الرحى فيه ، فمصر بموقعها الاستراتيجى هذا تعد وبدون ادنى شك " عاصمة العالم الاستراتيجية " كما يقول الفيلسوف جمال حمدان .
وبذلك يحق لنا أن نقول إن موضع مصر إذا كان هو السهل الممتنع ، فإن موقعها هوة الصعب الممتنع . السهل الممتنع ؛ - لأن من السهل أن نجد بين البيئات النهرية الفيضية الغنية موضعا كمصر ، وإن كان من الصعب أن نجد مثله فى خصائصه وامكانياته . والصعب الممتنع ؛- لأن موقع مصر الحاسم الحاكم هو موقع متحد مثلما هو مقتحم ، وهو لذلك صعب المواصفات ويكاد يمتنع مثيله . ومن مجموع الاثنين ، كانت مصر فى الأعم الأغلب أكبر قاعدة طبيعية وأضخم قوة بشرية فى المنطقة ، وكان التناسق المتناغم بين حجم موضعها وخطر موقعها هو مفتاح عبقرية المكان فيها .
وحتى نحسم هذه الحقيقة فى الذهن ، يكفى أن نتصور الموقف لو أختل أحد حدى المعادلة . فلو كانت مصر موضعا ضئيلا صغير الحجم والامكانيات ، لما زادت إلا قليلا عن واحة صحراوية متواضعة من عشرات الواحات المنتثرة فى صحارى العالم القديم ، ولو كانت مصر موقعا متخلفا وهامشيا على أطراف العالم ، لما زادت عن بريطانيا فى العصور الوسطى ، أو أستراليا فى العصور الحديثة ؛ شبه عملاق نسبيا إلا أنه حبيس قفصه .
كذلك يمكن أن نسبر مدى التناسق بين الموضع والموقع فى مصر إذا نحن قارناه بكل من العراق والشام . فهنا وهناك سنجد اختلالا محسوسا فى هذا الاتجاه أو ذاك ، له نتائجه المادية والاستراتيجة البعيدة . فالشام بعامة يتمتع بموقع ممتاز وخطير ، لكن الشام برقعته المحدودة نوعا ، وبيئته التى يتداخل فيها الجبل والوادى ، والواحة والصحراء ، فضلا عن قصور موارده المائية المطرية المتذبذة ، يمثل نسبيا موضعا محدود الوزن والامكانيات بحيث لا يتكافأ مع موقعه الحيوى ، وعلى العكس العراق ، فها هنا موضع غنى عريض الثراء برافديه أو" نيليه" ، مترامى الرقعة والامكانيات ، حتى ليفوق بالقوة موضع مصر . غير أن موقع العراق الداخلى المتطوح قليلا ، يعد على أهميته متخلفا نوعا ، وهو على وجه اليقين لا يرقى إلى مستوى موضعه الثمين .
ذلك التناسق الطبيعى الدقيق بين قوة الموضع وقيمة الموقع فى مصر لم يكن مع ذلك ، الحقيقة الوحيدة الكبرى فى كيانها . فإن الذبذبات التى حدثت فى العلاقة بينهما - بين الموقع والموضع - لعبت دورا هاما فى تحديد مصير مصر . والحقيقة أن كيان مصر ومصيرها وظيفة مباشرة للعلاقة المتغيرة بين قيمتها كموقع وقوتها كموضع : موقع خطير يتطلب لتحقيقه وضمانه موضعا غنيا كفئا ، فإذا ما اجتمعا طفرت مصر كقوة اقليمية كبرى . بمعنى آخر ، إن مكانتنا هى محصلة مكاننا وامكانياتنا على حد سواء . وبصيغة رياضية ، إن معادلة القوة فى مصر هى : القوة = الموقع فى الموضع . وذلك مفتاح الماضى مثلما هو دليل المستقبل . ومن الممكن أن نتتبع فى تاريخ مصر ذبذبات العلاقة بين الموقع والموضع لنرى متى وأين اجتمع الحد الأقصى أو الحد الأدنى من الاثنين معا ، أو من أى منهما على انفراد ، ومن المحقق أننا سنجدها تتفق إلى حد مثير مع مصيرها ووضعها السياسى .
فى الحلقات القادمة ان شاء الله
2 - خريطة الخطر
3 - الامبراطورية الدفاعية
4 - نظريات خاطئة
5 - قواعد استرتيجة مصر الداخلية
6 - العمق الاستراتيجى
7 - أقاليم الدفاع الوطنى
8 - مفاتيح مصر الاستراتيجية
9 - مصر واسرائيل ( فى الاطار الاقليمى والاطار العالمى ) ربما أفرد لها موضوع مستقل
هذا الموضوع يطرح لأول مرة على ساحات الانترنت
عند نقل الموضوع لأى منتدى آخر
نرجو الاشارة إلى منتدى الساحات
مختار الحسانين
وبه نستعين
أول مشاركة لى بموضوع فى المنتدى الرائع ، ستكون مشاركة بعنوان شخصية مصر الاستراتيجية ، وأنا أقتبس الموضوع من مرجع هام جدا وهو للفيلسوف المصرى الدكتور جمال حمدان رحمه الله
علما بأننى قمت ببعض التعديلات البسيطة
مختار الحسانين
أولا : مقدمة
عندما ندرس مصر فنحن إزاء حالة نادة من الأقاليم والبلاد من حيث السمات والقسمات التى تجتمع فيها ، والتى تجعل منها مخلوقا فريدا فذا ؛ فهى بالجغرافيا تقع فى افريقيا ولكنها تمت أيضا الى آسيا بالتاريخ ، وهى متوسطية دون مدارية بعروضها ، ولكنها موسمسة بمياهها وأصولها ، هى فى الصحراء وليست منها ، إنها واحة ضد صحراوية .
فرعونية هى بالجد ، ولكنها عربية بالأب . ثم أنها بجسمها النهرى قوة بر ، ولكنها بسواحلها قوة بحر ، وتضع بذلك قدما فى الأرض وقدما فى الماء .
وهى بجسمها النحيل تبدو مخلوقا أقل من قوى ، ولكنها برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأسا أكثر من ضخم .
أننا كلما أمعنا تحليل شخصية مصر وتعمقناها يتضح لنا أنها " فلتة جغرافية " لا تتكرر فى أى ركن من أركان العالم
وتتألف مصر من بيئتين أساسيتين هما الصحراء ووادى النيل ، ويتوزع أكثر من 98 % من سكان مصر على مساحة وادى النيل ودلتاه التى تبلغ 35 ألف كيلو متر مربع ، ويعتبر هذا الشريط الأخضر كما يتضح فى الصورة الفضائية هو القلب العمرانى والاقتصادى لمصر .
http://www.7mml.com/uploads/11488353eb.jpg (http://www.7mml.com/uploads/11488353eb.jpg)
استراتيجية مصر الخارجية
1- التناسق بين الموقع والموضع
الحقيقة العظمى فى كيان مصر ونقطة البدء لأى فهم لشخصيتنا الاستراتيجية ، هى اجتماع موقع جغرافى أمثل مع موضع طبيعى مثالى وذلك فى تناسب أو توازن نادر المثال . فالموقع والموضع هنا متكاملان جدا فى الدور ، ومتناسبان إلى حد بعيد فى المقياس فكل منهما ضخم الحجم أو الخطر ، ولكن فى تناسق دقيق وشبه محسوب . فمصر ليست مجرد موقع أو موضع هام ، بل الاثنان معا ؛ ليست مجرد ممر أو مقر خطير ، بل كلاهما ؛ ليست مجرد محطة طريق حاسمة أو صومعة غلال ضخمة بل هى هما على السواء .
فعلى طول الساحل الجنوبى للبحر المتوسط ، ولمسافة 1000 ميل من الصحراء ، لا نجد معمورا سوى وادى النيل . ويعد هذا المعمور أكبر وأضخم رقعة معمورة فى شمال إفريقيا وغرب أسيا ابتداء من المحيط الأطلسى حتى تخوم الهند .
أما عن الموقع فإذا كانت منطقة الشرق العربى ، حول الجزيرة العربية بعامة ، هى خاصرة العالم القديم ؛ حيث يضيق اليابس أكثر ما يضيق وحيث يتداخل اليابس والماء أكثر ما يتداخلان ، فإن مصر بدورها هى " خاصرة الخاصرة " أو فلنقل " عين القلب " حيث تجتمع فيها القارات الثلاث وتفترق البحار الداخلية الهامة . وهى من ثم خاصرة العالم القديم برمته وأرض الزاوية منه وقطب الرحى فيه ، فمصر بموقعها الاستراتيجى هذا تعد وبدون ادنى شك " عاصمة العالم الاستراتيجية " كما يقول الفيلسوف جمال حمدان .
وبذلك يحق لنا أن نقول إن موضع مصر إذا كان هو السهل الممتنع ، فإن موقعها هوة الصعب الممتنع . السهل الممتنع ؛ - لأن من السهل أن نجد بين البيئات النهرية الفيضية الغنية موضعا كمصر ، وإن كان من الصعب أن نجد مثله فى خصائصه وامكانياته . والصعب الممتنع ؛- لأن موقع مصر الحاسم الحاكم هو موقع متحد مثلما هو مقتحم ، وهو لذلك صعب المواصفات ويكاد يمتنع مثيله . ومن مجموع الاثنين ، كانت مصر فى الأعم الأغلب أكبر قاعدة طبيعية وأضخم قوة بشرية فى المنطقة ، وكان التناسق المتناغم بين حجم موضعها وخطر موقعها هو مفتاح عبقرية المكان فيها .
وحتى نحسم هذه الحقيقة فى الذهن ، يكفى أن نتصور الموقف لو أختل أحد حدى المعادلة . فلو كانت مصر موضعا ضئيلا صغير الحجم والامكانيات ، لما زادت إلا قليلا عن واحة صحراوية متواضعة من عشرات الواحات المنتثرة فى صحارى العالم القديم ، ولو كانت مصر موقعا متخلفا وهامشيا على أطراف العالم ، لما زادت عن بريطانيا فى العصور الوسطى ، أو أستراليا فى العصور الحديثة ؛ شبه عملاق نسبيا إلا أنه حبيس قفصه .
كذلك يمكن أن نسبر مدى التناسق بين الموضع والموقع فى مصر إذا نحن قارناه بكل من العراق والشام . فهنا وهناك سنجد اختلالا محسوسا فى هذا الاتجاه أو ذاك ، له نتائجه المادية والاستراتيجة البعيدة . فالشام بعامة يتمتع بموقع ممتاز وخطير ، لكن الشام برقعته المحدودة نوعا ، وبيئته التى يتداخل فيها الجبل والوادى ، والواحة والصحراء ، فضلا عن قصور موارده المائية المطرية المتذبذة ، يمثل نسبيا موضعا محدود الوزن والامكانيات بحيث لا يتكافأ مع موقعه الحيوى ، وعلى العكس العراق ، فها هنا موضع غنى عريض الثراء برافديه أو" نيليه" ، مترامى الرقعة والامكانيات ، حتى ليفوق بالقوة موضع مصر . غير أن موقع العراق الداخلى المتطوح قليلا ، يعد على أهميته متخلفا نوعا ، وهو على وجه اليقين لا يرقى إلى مستوى موضعه الثمين .
ذلك التناسق الطبيعى الدقيق بين قوة الموضع وقيمة الموقع فى مصر لم يكن مع ذلك ، الحقيقة الوحيدة الكبرى فى كيانها . فإن الذبذبات التى حدثت فى العلاقة بينهما - بين الموقع والموضع - لعبت دورا هاما فى تحديد مصير مصر . والحقيقة أن كيان مصر ومصيرها وظيفة مباشرة للعلاقة المتغيرة بين قيمتها كموقع وقوتها كموضع : موقع خطير يتطلب لتحقيقه وضمانه موضعا غنيا كفئا ، فإذا ما اجتمعا طفرت مصر كقوة اقليمية كبرى . بمعنى آخر ، إن مكانتنا هى محصلة مكاننا وامكانياتنا على حد سواء . وبصيغة رياضية ، إن معادلة القوة فى مصر هى : القوة = الموقع فى الموضع . وذلك مفتاح الماضى مثلما هو دليل المستقبل . ومن الممكن أن نتتبع فى تاريخ مصر ذبذبات العلاقة بين الموقع والموضع لنرى متى وأين اجتمع الحد الأقصى أو الحد الأدنى من الاثنين معا ، أو من أى منهما على انفراد ، ومن المحقق أننا سنجدها تتفق إلى حد مثير مع مصيرها ووضعها السياسى .
فى الحلقات القادمة ان شاء الله
2 - خريطة الخطر
3 - الامبراطورية الدفاعية
4 - نظريات خاطئة
5 - قواعد استرتيجة مصر الداخلية
6 - العمق الاستراتيجى
7 - أقاليم الدفاع الوطنى
8 - مفاتيح مصر الاستراتيجية
9 - مصر واسرائيل ( فى الاطار الاقليمى والاطار العالمى ) ربما أفرد لها موضوع مستقل
هذا الموضوع يطرح لأول مرة على ساحات الانترنت
عند نقل الموضوع لأى منتدى آخر
نرجو الاشارة إلى منتدى الساحات
مختار الحسانين