أسدالسماء
25-02-2007, 05:29 PM
الحرب النفسية .. ودورها في حرب الخليج الثالثة
بقلم: د. إيناس حمدي محمود
عرف الاستراتيجيون الحرب أياً كان نوعها بأنها: "فعل يقوم به فرد أو تقوم به جماعة بهدف إجبار الخصم على التسليم بما هو مطلوب منه" أو بالأحرى ما هو مفروض عيه، فهي صراع دموي بين إرادتين تبغي كل منهما التفوق على الأخرى بهدف حملها على التسليم.
وتتباين الحرب تبعاً لأهدافها أو لنتائجها أو لأدواتها، والحرب النفسية وفقاً لهذا التصنيف هي: "تلك الحرب التي تعتمد على أدوات التأثير النفسي لتحقيق نفس أهداف الحرب العامة"، وعرفها بعض العلماء بأنها:"الحرب التي لا تطلق فيها رصاصة ولا يراق فيها دم ولا يقتل فيها أحد، وأن أحسن صور الحرب هي التي تستطيع فيها دولة ما إضعاف موقف عدوها دون قتال".
وإذا كانت الحروب المادية تستهدف الماديات بما فيها أجساد البشر فإن الحرب النفسية تستهدف تعديل سلوك وأفكار البشر، وذلك وفقاً لما هو متوافر من قوانين عملية تتيح التحكم في السلوك وتعديل أنماطه.
فإذا نظرنا إلى الحرب النفسية باعتبارها سلاحاً من أسلحة لقتال -وهي كذلك بالفعل- فإننا نستوعب حقيقة أن العاملين في هذا السلاح يحتاجون - شأن غيرهم من المقاتلين- إلى توافر ما يشبه خطوط الإمداد والتموين، وتحديث معلوماتهم عن الجماعة التي ينتمون إليها، ومعلوماتهم عن العالم المحيط بهم من أصدقاء وأعداء على حد سواء، وكذلك تحديث معلوماتهم في مجال تخصصهم أي علم النفس بفروعه المختلفة، وإذا كانت المعلومات العسكرية تهتم بحجم القوات ونوعية تسليحها ومواقع انتشارها، فإن المعلومات النفسية تشمل كل ما يتعلق بالسلوك البشري الراهن والمتوقع للجماعات المستهدفة في الداخل والخارج، وتزداد أهمية تلك المعلومات كلما اقترب السلوك المرصود من مناطق التأثير على الروح المعنوية للخصم وللآخرين على حد سواء.
وأهم وسائل الحرب النفسية الدعاية السوداء ونشر الأخبار الكاذبة وحملات الشائعات المدبرة بهدف التأثير على الروح المعنوية للجيوش وتشكيكهم في مشروعية القتال وإضعاف حماسهم له، والمبالغة في تصوير قوة العدو وإمكانيات تسليحه، وممارسة عمليات الضغط النفسي التي تؤدي إلى زعزعة ثقة الشعب في زعمائه وقادته، فللضغط النفسي تأثيراته على كيمياء المخ التي تظهر في أشكال وجدانية مثل الضجر والعصبية الزائدة ومشاعر الخوف والرهبة، كما تظهر في أشكال جسمانية مثل الشعور بالغثيان وفقدان الشهية وخفقان القلب والشعور المستمر بالإرهاق.
لمحة عن تاريخ الحرب النفسية
عرف البشر الحرب النفسية منذ فجر التاريخ، ومارسوها في البداية في شكل صرخة توقع الرعب في القلب العدو أو تثير الشجاعة في قلب المهاجم، ثم تطورت لتصبح في شكل منشورات وإذاعات ومحطات بث تليفزيوني، وخطط فنية معقدة يضعها المتخصصون في فروع الحرب النفسية لتوصيل المعلومات للعدو والمحايد والصديق، وتتمثل بداياتها في رسالة يقوم على صياغتها قادة الحرب النفسية وأهم مكوناتها هو تبرير الإقدام على القتال، وتوجه الرسالة إلى ثلاثة نوعيات من الجمهور:
1- جمهور الجماعة وأبنائها المقاتلين بهدف رفع معنوياتهم.
2- جمهور العدو ومقاتليه بهدف خفض معنوياتهم.
3- جمهور العالم وقادته بهدف كسبهم كحلفاء أو تحييدهم على الأقل.
وبنهاية الحرب العالمية الأولى أدرك زعماء العالم أهمية العمليات النفسية في أوقات السلم والحرب على السواء، وفي أوقات التوتر والأزمات، حتى إن ألمانيا وحدها كان لديها سبع وعشرون محطة إذاعة مهمتها توجيه العمليات النفسية في أوربا، وفي العصر الحديث ما لبثت الحرب النفسية أن أصبحت أحد أهم ميادين الصراع بين الدول إلى جانب الميادين العسكرية والسياسية والاقتصادية، واتسع نطاق استخدامها بشكل لم يسبق له مثيل.
حملة وكتاب
ربما سيتوقف التاريخ طويلاً أمام الإدارة الأمريكية وممارساتها للحرب النفسية في حملتها على العراق، وقد يكون من المفيد في هذا الصدد استحضار ما جاء في أحد الكتب التي ظهرت في أواخر عام 1996م لمؤلفين أمريكيين يجمعان بين الصفتين الأكاديمية والعسكرية، ويعملان معا في معهد "راند" (Rand) للأبحاث الذي يقدم استشاراته لجهاز المخابرات الأمريكية وهما: "أولمان هارلانك"، و"جيمس وود"، أما عنوان الكتاب فهو: "الصدمة والرعب" (Shoch and Awe)، وفيه يذكر المؤلفان أن حروب المستقبل ستدار أساسا بالإعلام اكثر من أي سلاح آخر، وأن نشر الرسالة الإعلامية على أوسع نطاق سيربك العدو ويشتت قدراته، ويحقق النصر النهائي، فكيف تم تطبيق ما جاء بهذا الكتاب في الحملة على العراق؟
أما قبل الحرب فقد ركز الإعلام الأمريكي على التفوق العسكري غير المسبوق، وعلى الإمكانيات المرعبة لأسلحة أمريكية لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل، وكان لهذه الرسالة هدف مزدوج: إثارة الرعب في قلوب العراقيين وبث الطمأنينة في قلوب الأمريكيين، وتمثلت الرسالة الإعلامية الثانية في صياغة هدف يبدو مشروعا للقتال، وهو تخليص العالم من خطر امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ومن ثم كفالة الأمن لجيران العراق والعالم، وأيضا تحرير العراق من الحكم الديكتاتوري، وفي المقابل كانت الرسالة العراقية قبل الحرب شديدة التركيز ومفادها: "أنه غزو استعماري خائب سوف نقاومه وندحره".
الممارسات الأمريكية للحرب النفسية بعد بدء الحرب
وما إن بدأت المعركة ضد العراق عسكرياً حتى بدأت ممارسات الآلة الإعلامية الأمريكية لما يسمى بالدعاية المعادية والخداع الإعلامي وهما عماد الحرب النفسية التي كان أولها إطلاق الشائعات عقب الضربة الأولى مباشرة، والمعروف أن الشائعات تستغل لإضعاف معنويات الأمم والإجهاز أو لاستدراج العدو للكلام في موضوع خاص لم يحن أوانه بعد، وتركزت تلك الشائعات في عدة اتجاهات:
1- شائعات تشكيكية: مثل ما أعلنته جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في اليوم الأول للمعركة عن مقتل خمسة مسؤولين عراقيين أثناء الهجوم الأمريكي على بغداد، وما أعلنه البنتاجون عن حرق العراقيين لآبار البترول في البصرة.
2- شائعات ردعية: مثل ما أذاعته إحدى القنوات الفضائية عن انضمام رئيس الأركان العراقي السابق للقيادة الأمريكية في قطر، واستيلاء القوات الأمريكية على محطات الإذاعة العراقية.
3- شائعات تعبوية: مثل قيام الولايات المتحدة الأمريكية باختبار القنبلة E في العراق، واستسلام الفرقة 51 مشاة ميكانيكية ومقتل نائبي الرئيس العراقي، وهروب أعداد كبيرة من القادة والجنود العراقيين، بل هروب الرئيس العراقي نفسه وأسرته إلى فرنسا.
أما الأسلوب الثاني الذي مارسته الولايات المتحدة في حربها النفسية فكان إلقاء المنشورات، حيث ألقت قوات التحالف مليونا و890 ألف منشور باللغة العربية على 29 موقعا جنوب وشرق العراق، وكانت في أغلبها تحض العراقيين على الاستسلام وعدم المقاومة، وتشرح لهم الطريقة الآمنة للاستسلام برفع الرايه البيضاء، وأن يكون بين الفرد وسلاحه ما لا يقل عن متر وهو ملقى على الأرض أمام جنود قوى التحالف.
واعتمد الأسلوب الثالث على المشاهد التلفزيونية حيث تم بث مشهد لجمع من المواطنين يتدفقون لهدم تمثال للرئيس العراقي وانتزاعه من قاعدته بمساعدة دبابة أمريكية، وكذلك تم نقل مشاهد الجماهير العراقية وهي تمارس أعمال السلب والنهب في شوارع بغداد، وإن كان الخبراء يرون أنه جرى تلاعب بهذه الصور، حيث لم تكن صورة المهللين لتحرير بغداد سوى لحفنة من المعارضين العراقيين العائدين من الخارج، أما ميدان الفردوس الذي شهد إسقاط تمثال صدام حسين فلم يكن مكتظا بالناس كما بدا في الصورة، وإنما كان خاويا تماما إلا من بضع عشرات ركزت عليه زاوية اللقطة.
وكان الأسلوب الرابع هو أسلوب الضغط النفسي من خلال التحكم في الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي مثل قطع الكهرباء والمياه ومنع وصول المساعدات، وبث صور القتلى والجرحى العراقيين التي تشير بالعجز الكامل وقلة الحيلة وعدم القدرة على فعل شيء.
ممارسات الجانب العراقي للحرب النفسية
وركز الجانب العراقي في حربه النفسية على عدة أساليب كان أبرزها:
*أسلوب إطلاق الشائعات مثل: "انتحاريون عراقيون لتدمير السفن البريطانية"، "صدام يخطط لإلقاء قنابل كيميائية على القوات الأمريكية"، مما حدا بجنود التحالف لارتداء الأقنعة الواقية.
*أما الأسلوب الثاني فكان الحرص على إذاعة التكبيرات والقرآن الكريم من ميكروفونات المساجد أثناء الهجوم الجوي.
*واعتمد الأسلوب الثالث على ظهور المسؤولين العراقيين اليومي والفوري في مؤتمرات صحفية على شاشة التلفزيون، وإعطاء الجماهير أملا خادعاً وصورة وردية عن مقاومة صلبة ستدوم، وجحيم ينتظر الغزاة، والمسارعة بالتكذيب المباشر لحرق الآبار ومقتل المسؤولين، وظهور الرئيس العراقي وإلقائه لخطاب بالزي العسكري يدعو فيه الشعب للجهاد، علاوة على الظهور المتكرر لوزير الإعلام العراقي الذي قذف قوى التحالف بأحطّ النعوت وأثار المشاعر الوطنية والدينية لدى المواطنين.
كل يغني على ليلاه
ويمكن القول إن إعلام كل من الجانبين وأساليب الحرب النفسية التي مارساها عكست بصدق طبيعة الجمهور الذي ينتمي إليه ويخاطبه فكان المتحدثون الأمريكيون يؤكدون ثقتهم بانتصارهم في النهاية، وأنهم يخوضون معركة حيال عدو قوي لا يعرف الرحمة، وسمعنا الكثير عن "النيران الصديقة" باعتبار أن من سقط من قواتهم إنما سقط بفعل أخطاء داخلية وليس بفعل نيران عراقية، وأنهم إذا ما اضطروا لإصابة مدنيين فإنما يرجع ذلك لاحتماء الجنود العراقيين بهم، ولهذا دعا الرئيس الأمريكي لإعادة تهيئة الشعب الأمريكي لحرب صعبة وطويلة ولن تكون بدون ألم، لقد كانت المشكلة التي واجهت الإدارة الأمريكية هي تخطيطها لحرب نفسية ضد العراق من وجهة نظر غربية وليست عربية في ظل دراسة معالم الأزمة المعروفة.
وعلى الجانب العراقي بدا المتحدثون العراقيون شديدي الثقة بأنفسهم، وكانوا يقدمون الإجابات الفورية ونادرا ما يؤجلون الإجابة لحين التيقن من الخبر!!
إنها حرب تضاربت فيها الأنباء وتاهت الحقيقة التي يبدو أنها كانت أول ضحايا الحرب، وسقطت العقول فريسة للتشويش!!
المراجع:
(1) العدد 52 من مجلة " الكتب وجهات نظر" - مايو 2003.
(2) العدد 100 من "ملف الأهرام الاستراتيجي" - أبريل 2003.
(3) العددان 269، 315 من مجلة "جند عمان".
(4) العدد 328 من مجلة "الجندي".
(5) كتاب: Shock and Awe- Ulman Harlank, James Wode-1996.
منقول من مجلة الحرس الوطني
بقلم: د. إيناس حمدي محمود
عرف الاستراتيجيون الحرب أياً كان نوعها بأنها: "فعل يقوم به فرد أو تقوم به جماعة بهدف إجبار الخصم على التسليم بما هو مطلوب منه" أو بالأحرى ما هو مفروض عيه، فهي صراع دموي بين إرادتين تبغي كل منهما التفوق على الأخرى بهدف حملها على التسليم.
وتتباين الحرب تبعاً لأهدافها أو لنتائجها أو لأدواتها، والحرب النفسية وفقاً لهذا التصنيف هي: "تلك الحرب التي تعتمد على أدوات التأثير النفسي لتحقيق نفس أهداف الحرب العامة"، وعرفها بعض العلماء بأنها:"الحرب التي لا تطلق فيها رصاصة ولا يراق فيها دم ولا يقتل فيها أحد، وأن أحسن صور الحرب هي التي تستطيع فيها دولة ما إضعاف موقف عدوها دون قتال".
وإذا كانت الحروب المادية تستهدف الماديات بما فيها أجساد البشر فإن الحرب النفسية تستهدف تعديل سلوك وأفكار البشر، وذلك وفقاً لما هو متوافر من قوانين عملية تتيح التحكم في السلوك وتعديل أنماطه.
فإذا نظرنا إلى الحرب النفسية باعتبارها سلاحاً من أسلحة لقتال -وهي كذلك بالفعل- فإننا نستوعب حقيقة أن العاملين في هذا السلاح يحتاجون - شأن غيرهم من المقاتلين- إلى توافر ما يشبه خطوط الإمداد والتموين، وتحديث معلوماتهم عن الجماعة التي ينتمون إليها، ومعلوماتهم عن العالم المحيط بهم من أصدقاء وأعداء على حد سواء، وكذلك تحديث معلوماتهم في مجال تخصصهم أي علم النفس بفروعه المختلفة، وإذا كانت المعلومات العسكرية تهتم بحجم القوات ونوعية تسليحها ومواقع انتشارها، فإن المعلومات النفسية تشمل كل ما يتعلق بالسلوك البشري الراهن والمتوقع للجماعات المستهدفة في الداخل والخارج، وتزداد أهمية تلك المعلومات كلما اقترب السلوك المرصود من مناطق التأثير على الروح المعنوية للخصم وللآخرين على حد سواء.
وأهم وسائل الحرب النفسية الدعاية السوداء ونشر الأخبار الكاذبة وحملات الشائعات المدبرة بهدف التأثير على الروح المعنوية للجيوش وتشكيكهم في مشروعية القتال وإضعاف حماسهم له، والمبالغة في تصوير قوة العدو وإمكانيات تسليحه، وممارسة عمليات الضغط النفسي التي تؤدي إلى زعزعة ثقة الشعب في زعمائه وقادته، فللضغط النفسي تأثيراته على كيمياء المخ التي تظهر في أشكال وجدانية مثل الضجر والعصبية الزائدة ومشاعر الخوف والرهبة، كما تظهر في أشكال جسمانية مثل الشعور بالغثيان وفقدان الشهية وخفقان القلب والشعور المستمر بالإرهاق.
لمحة عن تاريخ الحرب النفسية
عرف البشر الحرب النفسية منذ فجر التاريخ، ومارسوها في البداية في شكل صرخة توقع الرعب في القلب العدو أو تثير الشجاعة في قلب المهاجم، ثم تطورت لتصبح في شكل منشورات وإذاعات ومحطات بث تليفزيوني، وخطط فنية معقدة يضعها المتخصصون في فروع الحرب النفسية لتوصيل المعلومات للعدو والمحايد والصديق، وتتمثل بداياتها في رسالة يقوم على صياغتها قادة الحرب النفسية وأهم مكوناتها هو تبرير الإقدام على القتال، وتوجه الرسالة إلى ثلاثة نوعيات من الجمهور:
1- جمهور الجماعة وأبنائها المقاتلين بهدف رفع معنوياتهم.
2- جمهور العدو ومقاتليه بهدف خفض معنوياتهم.
3- جمهور العالم وقادته بهدف كسبهم كحلفاء أو تحييدهم على الأقل.
وبنهاية الحرب العالمية الأولى أدرك زعماء العالم أهمية العمليات النفسية في أوقات السلم والحرب على السواء، وفي أوقات التوتر والأزمات، حتى إن ألمانيا وحدها كان لديها سبع وعشرون محطة إذاعة مهمتها توجيه العمليات النفسية في أوربا، وفي العصر الحديث ما لبثت الحرب النفسية أن أصبحت أحد أهم ميادين الصراع بين الدول إلى جانب الميادين العسكرية والسياسية والاقتصادية، واتسع نطاق استخدامها بشكل لم يسبق له مثيل.
حملة وكتاب
ربما سيتوقف التاريخ طويلاً أمام الإدارة الأمريكية وممارساتها للحرب النفسية في حملتها على العراق، وقد يكون من المفيد في هذا الصدد استحضار ما جاء في أحد الكتب التي ظهرت في أواخر عام 1996م لمؤلفين أمريكيين يجمعان بين الصفتين الأكاديمية والعسكرية، ويعملان معا في معهد "راند" (Rand) للأبحاث الذي يقدم استشاراته لجهاز المخابرات الأمريكية وهما: "أولمان هارلانك"، و"جيمس وود"، أما عنوان الكتاب فهو: "الصدمة والرعب" (Shoch and Awe)، وفيه يذكر المؤلفان أن حروب المستقبل ستدار أساسا بالإعلام اكثر من أي سلاح آخر، وأن نشر الرسالة الإعلامية على أوسع نطاق سيربك العدو ويشتت قدراته، ويحقق النصر النهائي، فكيف تم تطبيق ما جاء بهذا الكتاب في الحملة على العراق؟
أما قبل الحرب فقد ركز الإعلام الأمريكي على التفوق العسكري غير المسبوق، وعلى الإمكانيات المرعبة لأسلحة أمريكية لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل، وكان لهذه الرسالة هدف مزدوج: إثارة الرعب في قلوب العراقيين وبث الطمأنينة في قلوب الأمريكيين، وتمثلت الرسالة الإعلامية الثانية في صياغة هدف يبدو مشروعا للقتال، وهو تخليص العالم من خطر امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ومن ثم كفالة الأمن لجيران العراق والعالم، وأيضا تحرير العراق من الحكم الديكتاتوري، وفي المقابل كانت الرسالة العراقية قبل الحرب شديدة التركيز ومفادها: "أنه غزو استعماري خائب سوف نقاومه وندحره".
الممارسات الأمريكية للحرب النفسية بعد بدء الحرب
وما إن بدأت المعركة ضد العراق عسكرياً حتى بدأت ممارسات الآلة الإعلامية الأمريكية لما يسمى بالدعاية المعادية والخداع الإعلامي وهما عماد الحرب النفسية التي كان أولها إطلاق الشائعات عقب الضربة الأولى مباشرة، والمعروف أن الشائعات تستغل لإضعاف معنويات الأمم والإجهاز أو لاستدراج العدو للكلام في موضوع خاص لم يحن أوانه بعد، وتركزت تلك الشائعات في عدة اتجاهات:
1- شائعات تشكيكية: مثل ما أعلنته جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في اليوم الأول للمعركة عن مقتل خمسة مسؤولين عراقيين أثناء الهجوم الأمريكي على بغداد، وما أعلنه البنتاجون عن حرق العراقيين لآبار البترول في البصرة.
2- شائعات ردعية: مثل ما أذاعته إحدى القنوات الفضائية عن انضمام رئيس الأركان العراقي السابق للقيادة الأمريكية في قطر، واستيلاء القوات الأمريكية على محطات الإذاعة العراقية.
3- شائعات تعبوية: مثل قيام الولايات المتحدة الأمريكية باختبار القنبلة E في العراق، واستسلام الفرقة 51 مشاة ميكانيكية ومقتل نائبي الرئيس العراقي، وهروب أعداد كبيرة من القادة والجنود العراقيين، بل هروب الرئيس العراقي نفسه وأسرته إلى فرنسا.
أما الأسلوب الثاني الذي مارسته الولايات المتحدة في حربها النفسية فكان إلقاء المنشورات، حيث ألقت قوات التحالف مليونا و890 ألف منشور باللغة العربية على 29 موقعا جنوب وشرق العراق، وكانت في أغلبها تحض العراقيين على الاستسلام وعدم المقاومة، وتشرح لهم الطريقة الآمنة للاستسلام برفع الرايه البيضاء، وأن يكون بين الفرد وسلاحه ما لا يقل عن متر وهو ملقى على الأرض أمام جنود قوى التحالف.
واعتمد الأسلوب الثالث على المشاهد التلفزيونية حيث تم بث مشهد لجمع من المواطنين يتدفقون لهدم تمثال للرئيس العراقي وانتزاعه من قاعدته بمساعدة دبابة أمريكية، وكذلك تم نقل مشاهد الجماهير العراقية وهي تمارس أعمال السلب والنهب في شوارع بغداد، وإن كان الخبراء يرون أنه جرى تلاعب بهذه الصور، حيث لم تكن صورة المهللين لتحرير بغداد سوى لحفنة من المعارضين العراقيين العائدين من الخارج، أما ميدان الفردوس الذي شهد إسقاط تمثال صدام حسين فلم يكن مكتظا بالناس كما بدا في الصورة، وإنما كان خاويا تماما إلا من بضع عشرات ركزت عليه زاوية اللقطة.
وكان الأسلوب الرابع هو أسلوب الضغط النفسي من خلال التحكم في الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي مثل قطع الكهرباء والمياه ومنع وصول المساعدات، وبث صور القتلى والجرحى العراقيين التي تشير بالعجز الكامل وقلة الحيلة وعدم القدرة على فعل شيء.
ممارسات الجانب العراقي للحرب النفسية
وركز الجانب العراقي في حربه النفسية على عدة أساليب كان أبرزها:
*أسلوب إطلاق الشائعات مثل: "انتحاريون عراقيون لتدمير السفن البريطانية"، "صدام يخطط لإلقاء قنابل كيميائية على القوات الأمريكية"، مما حدا بجنود التحالف لارتداء الأقنعة الواقية.
*أما الأسلوب الثاني فكان الحرص على إذاعة التكبيرات والقرآن الكريم من ميكروفونات المساجد أثناء الهجوم الجوي.
*واعتمد الأسلوب الثالث على ظهور المسؤولين العراقيين اليومي والفوري في مؤتمرات صحفية على شاشة التلفزيون، وإعطاء الجماهير أملا خادعاً وصورة وردية عن مقاومة صلبة ستدوم، وجحيم ينتظر الغزاة، والمسارعة بالتكذيب المباشر لحرق الآبار ومقتل المسؤولين، وظهور الرئيس العراقي وإلقائه لخطاب بالزي العسكري يدعو فيه الشعب للجهاد، علاوة على الظهور المتكرر لوزير الإعلام العراقي الذي قذف قوى التحالف بأحطّ النعوت وأثار المشاعر الوطنية والدينية لدى المواطنين.
كل يغني على ليلاه
ويمكن القول إن إعلام كل من الجانبين وأساليب الحرب النفسية التي مارساها عكست بصدق طبيعة الجمهور الذي ينتمي إليه ويخاطبه فكان المتحدثون الأمريكيون يؤكدون ثقتهم بانتصارهم في النهاية، وأنهم يخوضون معركة حيال عدو قوي لا يعرف الرحمة، وسمعنا الكثير عن "النيران الصديقة" باعتبار أن من سقط من قواتهم إنما سقط بفعل أخطاء داخلية وليس بفعل نيران عراقية، وأنهم إذا ما اضطروا لإصابة مدنيين فإنما يرجع ذلك لاحتماء الجنود العراقيين بهم، ولهذا دعا الرئيس الأمريكي لإعادة تهيئة الشعب الأمريكي لحرب صعبة وطويلة ولن تكون بدون ألم، لقد كانت المشكلة التي واجهت الإدارة الأمريكية هي تخطيطها لحرب نفسية ضد العراق من وجهة نظر غربية وليست عربية في ظل دراسة معالم الأزمة المعروفة.
وعلى الجانب العراقي بدا المتحدثون العراقيون شديدي الثقة بأنفسهم، وكانوا يقدمون الإجابات الفورية ونادرا ما يؤجلون الإجابة لحين التيقن من الخبر!!
إنها حرب تضاربت فيها الأنباء وتاهت الحقيقة التي يبدو أنها كانت أول ضحايا الحرب، وسقطت العقول فريسة للتشويش!!
المراجع:
(1) العدد 52 من مجلة " الكتب وجهات نظر" - مايو 2003.
(2) العدد 100 من "ملف الأهرام الاستراتيجي" - أبريل 2003.
(3) العددان 269، 315 من مجلة "جند عمان".
(4) العدد 328 من مجلة "الجندي".
(5) كتاب: Shock and Awe- Ulman Harlank, James Wode-1996.
منقول من مجلة الحرس الوطني